عمر فروخ
204
تاريخ الأدب العربي
ذكرت صقلّية والأسى * يهيّج للنفس تذكارها « 1 » ، ومنزلة للتصابي خلت ، * وكان بنو الظرف عمّارها « 2 » . فإن كنت أخرجت من جنّة * فإنّي أحدّث أخبارها . ولولا ملوحة ماء البكاء * حسبت دموعي أنهارها . ضحكت ابن عشرين من صبوة * بكيت ابن ستّين أوزارها « 3 » . فلا تعظمنّ لديك الذنوب ، * فما زال ربّك غفّارها . - وقال يصف جماعة على جانبي نهر يشربون خمرا : ومطّرد الأجزاء يصقل متنه * صبا أعلنت للعين ما في ضميره « 4 » ؛ جريح بأطراف الحصى كلّما جرى * عليها شكا أوجاعه بخريره « 5 » . شربنا على حافاته دور سكرة ؛ * وأقتل سكرا منه لحظ مديره « 6 » . كأنّ الدّجى حطّ المجرّة بيننا * وقد كلّلت حافاتها ببدوره « 7 » .
--> ( 1 ) - شفاء الإنسان في حاضره يذكّره النعيم في ماضي حياته . ( 2 ) التصابي هو أن يشوّق المحبّ محبوبا إلى نفسه ( أيام التصابي : أيام الشباب ) . الظرف : الكياسة وحسن الوجه واللسان ( يستعمل للفتيان والفتيات لا للشيوخ ) . العمّار : السكّان : عمر الأرض أو المكان أو المنزل : سكنه . ( 3 ) - سررت وأنا ابن عشرين سنة من الصبوة ( الجهلة في زمن الشباب ، الانغماس في الحبّ ) ثمّ أصبحت وأنا ابن ستّين أشكو من نتيجة ذلك في صحّتي وفي ديني ( الذنب الذي تحمّلته من جراء ذلك ) . ( 4 ) مطّرد الأجزاء : متتابع الأجزاء على استواء . صقل : جلا ، جعل الشيء أملس . متنه : ظهره ، سطحه ( سطح النهر ) . الصبا : ريح الشرق . أعلنت : أظهرت . ما في ضميره : ما في جوفه ( في قاعه ) . ( 5 ) يقول الشاعر : هذا النهر يتقلّب في سيره على حصى ( حجارة صغار ) فتجرحه فيتألم فيحدث خريرا ( صوتا خافتا كالغطيط الخارج من أنف النائم ) . - إن معنى هذا البيت يأتلف في المنطق مع معنى البيت السابق ( لأنّ النهر المستوي الأجزاء المصقول السطح لا يحدث الصوت الذي يقصده الشاعر هنا ) . ( 6 ) حافتا الوادي : جانباه . دور سكرة : شرب جماعة الشاربين مرّة واحدة من خمر تدور عليهم . - على أن الذي جعلنا سكارى ليس هذا الدور من الخمر ولكن عيون الساقي الذي كان يدير علينا هذه الخمر . ( 7 ) كأن الدجى ( الليل ) حطّ ( أنزل ) المجرّة ( يشبّه الشاعر النهر الأبيض في المرج الأخضر أو في الأرض الداكنة بنهر المجرّة في عرض السماء ليلا ) غير أن هذا النهر يحيط به بدور ( شباب صباح الوجوه ) بينما المجرّة في السماء يظهر عند أطرافها نجوم ( صغار ) .